بقلم: د. وحيد جبران
خبير في التعليم في الأزمات
في السياق الفلسطيني، المدرسة ليست مجرد مكان لتلقي المعرفة والتعلم، بل فضاء إنساني يعيد تشكيل الإحساس بالأمان، والانتماء، والاستقرار في واقع ما زال مضطربًا وغير قابل للتنبؤ، وهي مساحة آمنة تعيد للأطفال شيئًا من الإحساس بالحياة الطبيعية. فخلال فترة التعلم عن بُعد، لم يواجه الطلبة تحديات تعليمية فحسب، بل عاشوا أيضًا تحت وطأة التوترات الأمنية، والإغلاقات المتكررة، والضغوط النفسية والاجتماعية التي تركت آثارًا عميقة على سلوكهم ودافعيتهم للتعلم.
لذلك، تواجه العودة إلى التعليم الوجاهي في فلسطين عدة تحديات، منها: تفاوت كبير في مستويات الطلبة؛ فبعضهم انتظم في التعليم عن بعد كليا، وبعضهم جزئيا، وبعضهم لم ينتظم. كما يواجه المعلمون ضغوط اقتصادية ونفسية، ومحدودية الموارد، وبيئات تعليمية غير مستقرة.
العودة إلى الروتين… بوابة التعافي
إن العودة إلى التعليم الوجاهي ليست “عودة إلى الصفوف” فقط بالنسبة للأطفال؛ بل هو إعادة بناء للحياة اليومية للأطفال بعد فترة انقطاع مشحونة بالقلق، والتوتر، واللايقين. وتتضمن هذه العودة إعادة بناء الروتين اليومي في المدرسة كخطوة أولى في طريق التعافي. فالالتزام بمواعيد ثابتة للدروس، والعودة إلى التفاعل اليومي داخل الصف، ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل تدخلات نفسية واجتماعية تساعد الطلبة على استعادة الشعور بالأمان والسيطرة على حياتهم. إن إعادة الروتين، في هذا السياق، تعني إعادة الإحساس بالحياة الطبيعية. لذلك، من الضروري أن تتم هذه العودة بشكل تدريجي، بعيدًا عن الضغط أو التوقعات غير الواقعية بعودة فورية إلى مستويات الأداء السابقة. فبعد أسابيع من التعلم غير المنتظم، يحتاج الطلبة إلى فترة انتقالية مدروسة، وإعادة الروتين الدراسي ليست مسألة انضباط… بل هي عملية إعادة توازن نفسي واجتماعي.
ينبغي الحذر من القفز مباشرة إلى استكمال المنهاج والخوض في تعويض الفاقد التعليمي، دون الالتفات إلى الحالة النفسية للطلبة، وضعف التركيز أو التراجع في الدافعية للتعلم والتحصيل الذي يمكن ملاحظته لدى بعض الطلبة. إن هذا الضعف في التركيز أو تراجع الأداء لا يعكس بالضرورة كسلًا أو تقصيرًا، بل قد يكون نتيجة مباشرة للقلق أو الصدمة أو فقدان الدافعية.
لذلك، فإن من ألأهمية بمكان في هذه المرحلة دون توجيه الاهتمام الكافي والمناسب لتعافي الطلبة نفسيًا واجتماعيًا، من خلال توفير مساحات للتعبير، وأنشطة تفاعلية، وبيئة صفية داعمة تعزز الشعور بالانتماء والأمان. فالتعلم الحقيقي لا يمكن أن يحدث دون هذا التعافي.
كيفية إعادة بناء الروتين الدراسي
يمكن إعادة بناء الروتين الدراسي عبر عدة محاور، هي:
• التدرج في التعليم والتخفيف الأكاديمي الذكي والتركيز على المهارات الأساسية، بدل محاولة تعويض كل شيء دفعة واحدة، وعدم توقع عودة الطلبة مباشرة إلى الانضباط الكامل، فقد يحتاجون إلى فترة انتقالية لإعادة التكيّف. ولا يتوقع من الطالب أن يعود بكامل الطاقة من اليوم أو الأسبوع الأول.
• العودة إلى الروتين اليومي بالتنسيق مع الأسرة، خاصة النوم المبكر، والاستيقاظ المنتظم، وتنظيم الوقت، والالتزام بالدوام، وتقليل الاعتماد على الأجهزة، وبناء الروتين في البيت أيضا وليس في المدرسة فقط؛ لأن الروتين لا ينجح إذا كان البيت يرسل رسائل متناقضة.
• توفير الدعم النفسي والاجتماعي لتعزيزالشعور بالأمان والانتماء، عبر أنشطة تفاعلية وتفريغ انفعالي وبيئة صفية داعمة لمساعدة الطلبة على تجاوز القلق والضعف في التركيز وفقدان الدافعية.
• التركيز على العلاقات قبل المحتوى، خاصة العلاقة مع المعلم، والعلاقة بين الطلبة، والشعور بالأمان والانتماء، فالتعلم الحقيقي لا يحدث في ظل علاقات جافة ومتوترة داخل الصفوف.
المعلم صانع استقرار
في السياق الفلسطيني، يقف المعلم في الخط الأمامي، ليس فقط كناقل معرفة بل كصانع استقرار وكداعم نفسي وميسر للتعلم في ظروف استثنائية؛ لذلك، يتوقع منه أن يدعم الطلبة نفسيًا، ويتعامل مع فروقات كبيرة في المستويات، ويوازن بين الضغط الأكاديمي والاحتياجات الإنسانية، ويهتم بتعافيهم مثلما يهتم بتعلمهم وتحصيلهم. وهذا يتطلب أن نوفر للمعلم وضعا اقتصاديا يساعده على الاستقرار، وتدريبًا متخصصًا في الدعم النفسي الاجتماعي واستراتيجيات التعليم في الأزمات، وإدارة الصفوف في بيئات غير مستقرة، وتوفير مساحة تتييح له مرونة في تطبيق المنهاج، ومساعدته على مواجهة ما يتعرض له من ضغوطً اقتصادية ومهنية ونفسية متزايدة.
فجوات تعليمية… وأخرى نفسية
كثير من النقاشات تركز على “الفاقد التعليمي” واستدراك ما فات الطلبة من تعلم؛ لكن في الواقع الفلسطيني، نحن أمام ما هو أعمق: فاقد في المعنى والدافعية. قد يظهر الطلبة العائدون ضعفًا في التركيز، وتراجعًا في التحصيل، وانخفاضًا في الدافعية. لكن هذه ليست مجرد “فجوة تعليمية”، بل انعكاس لتجربة نفسية معقدة. ومن هنا، يصبح من الضروري اعتماد مقاربات تعليمية مرنة، تدمج بين التقييم التشخيصي، وبرامج التعليم التجسيري، والدعم النفسي الاجتماعي داخل الحصة الصفية.
إن الضغط لاستكمال المنهاج أو تعويض ما فات الطلبة من دروس بسرعة وفي وقت قصير قد يأتي بنتائج عكسية. فالتعلم لا يحدث في بيئة مشحونة بالقلق أو التوتر. ما يحتاجه الطلبة في هذه المرحلة: مساحات آمنة للتعبير، وأنشطة تفاعلية تُعيد بناء الثقة، فضلا عن بيئة صفية داعمة لا تقيس النجاح فقط بالدرجات. وفي هذه المرحلة، نجاحنا لا يُقاس بكم أنجزنا من المنهاج، بل بكم استعدنا من “إنسانية الطالب.”
لا يمكن الحديث عن إعادة الروتين مع إغفال دور الأسرة، رغم أنها تعيش تحت نفس الضغوط؛ فالأهل، رغم ما يواجهونه من ضغوط، يشكلون شريكًا أساسيًا في دعم أولادهم، من خلال تنظيم حياتهم اليومية، وتوفير بيئة داعمة، واحتواء مشاعرهم، وتعزيز تواصلهم مع المدرسة.
من الاستجابة إلى بناء الصمود
رغم كل التحديات، أثبت التعليم في فلسطين قدرته على الاستمرار حتى في أصعب الظروف. لكن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مجرد استمرارية التعليم إلى تحسين جودته، وبناء نظام تعليمي أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات. إن العودة إلى التعليم الوجاهي ليست نهاية أزمة، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب مرونة، وفهمًا عميقًا لاحتياجات الطلبة، واستثمارًا حقيقيًا في رفاههم النفسي والاجتماعي، ودمج الدعم النفسي الاجتماعي في التعليم بشكل منهجي، وتطوير نماذج تعليم مرنة (حضوري/عن بُعد/مدمج)، والاستثمار في المعلم كعنصر محوري.
إن إعادة بناء الروتين الدراسي ليست مهمة تربوية فحسب، بل هي استثمار في استقرار المجتمع بأكمله. فالمدرسة، في هذا السياق، ليست مجرد مبنى، بل مساحة أمل تُعيد للطلبة ثقتهم بأنفسهم، وتفتح أمامهم آفاق المستقبل من جديد، والعودة إلى المدرسة في فلسطين ليست مجرد استئناف للدروس بل هي فرصة لإعادة بناء علاقة الطفل مع التعلم، ومع ذاته، ومع مجتمعه. إن الطفل حين يعود إلى مدرسته في فلسطين، فهو لا يعود فقط إلى مقعده الدراسي… بل يعود خطوة نحو حياته الطبيعية.
