بقلم: د. دلال صائب عريقات
القدس، التي شهدت حدث القيامة، يفترض أن تكون مفتوحة لأبنائها المؤمنين. فمن الطبيعي أن يحتشد المسيحيون الفلسطينيون في كنيسة القيامة خلال خميس الأسرار، والجمعة العظيمة، وسبت النور، حيث اعتادت الكنيسة استقبال آلاف المصلين من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. إلا أن ما نشهده اليوم هو سياسة ممنهجة لتقييد هذا الحضور، عبر نظام تصاريح تعسفي، وإجراءات إغلاق مشددة، بل وإلغاء تصاريح مُنحت سابقًا، في سابقة خطيرة تمس جوهر الحرية الدينية.
هذه الإجراءات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الإطار القانوني الدولي. فبموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، تتحمل القوة القائمة بالاحتلال مسؤولية ضمان حرية العبادة للسكان الواقعين تحت الاحتلال. كما تكفل المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الحق في حرية الدين وممارسة الشعائر. ما يحدث في القدس هو انتهاك صريح لهذه الالتزامات، ويشكّل جزءًا من نظام أوسع من التمييز الممنهج.
ولا يقتصر هذا الواقع على المسيحيين الفلسطينيين. ففي شهر رمضان المبارك، يُحرم المسلمون أيضًا من الوصول الحر إلى المسجد الأقصى، وتُفرض قيود عمرية وجغرافية، وتُغلق الحواجز، وتُقيّد الصلاة، بل وتُغلق أبواب المسجد في بعض الأحيان. وفي عيد الفطر، الذي يفترض أن يكون مناسبة جامعة للفرح والعبادة، يجد آلاف الفلسطينيين أنفسهم محرومين من الصلاة في أحد أقدس الاماكن. إننا أمام سياسة متكاملة تستهدف الوجود الديني الفلسطيني، بمختلف مكوناته.
في المقابل، يتمتع المستوطنون الإسرائيليون بحرية كاملة في الوصول إلى القدس، رغم أن المستوطنات التي يقيمون فيها تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي. هذا التباين الصارخ في المعاملة ليس مجرد خلل إداري، بل هو تعبير واضح عن نظام فصل عنصري (أبارتهايد)، حيث تُمنح الحقوق على أساس الهوية، وتُقيّد على الأساس ذاته.
إن استخدام أدوات قانونية وإدارية لتقييد الوصول إلى الأماكن المقدسة، ومنع السكان الأصليين من ممارسة شعائرهم، يندرج ضمن سياسات تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي للقدس. وهو ما يتقاطع مع تشريعات مثل “قانون القومية”، الذي يكرّس التمييز وينكر بشكل صريح حقوق غير اليهود، بمن فيهم المسيحيون والمسلمون الفلسطينيون.
لكن، ورغم كل ذلك، يبقى لعيد الفصح في السياق الفلسطيني رمزية تتجاوز الطقس الديني. إنه فعل صمود، واستعادة للمعنى في وجه محاولات الإقصاء. فالقيامة هنا ليست فقط حدثًا لاهوتيًا، بل تجربة يومية يعيشها الفلسطينيون، الذين ينهضون من تحت وطأة القيود ليؤكدوا حضورهم في مدينتهم ومقدساتهم.
في القدس، تتجسد المفارقة القاسية: مدينة تُعد رمزًا عالميًا للحرية الروحية، تتحول إلى مساحة تُقيّد فيها ابسط الحقوق “العبادة”. لكن في المقابل، تتحول الصلاة إلى فعل مقاومة، ويصبح الإيمان بالحق والحرية أقوى من كل القيود.
عيد الفصح في فلسطين، إذًا، ليس فقط مناسبة للاحتفال، بل لحظة للمساءلة: مساءلة نظام يحرم الناس من حقهم في الإيمان، ومساءلة المجتمع الدولي عن صمته، ومساءلة الضمير الإنساني عن حدود تحمّله لهذا الظلم المستمر.
