مقالات

حين يصبح القانون أداة للعقاب: قراءة في واقع الأسرى

بقلم: سيلفيا أبو لبن

حين نتحدث اليوم عن الأسرى الفلسطينيين، فإننا لا نتحدث عن ملف إنساني عابر، ولا عن قضية فرعية في سياق نزاع طويل. نحن نتحدث عن اختبار حقيقي لمصداقية القانون الدولي، وعن سؤال جوهري يواجه المجتمع الدولي: هل لا يزال القانون أداة لحماية الإنسان، أم أنه بات يُستخدم لتبرير انتهاكه؟

في السجون الإسرائيلية اليوم، يقبع نحو عشرة آلاف أسير فلسطيني، بينهم آلاف المعتقلين إدارياً بلا تهمة أو محاكمة، ومئات الأطفال والنساء. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل هو مؤشر على سياسة منهجية، تُدار ضمن إطار أوسع من السيطرة والعقاب الجماعي، في سياق احتلال طويل لم ينتهِ بعد.

الاعتقال الإداري، الذي يُستخدم على نطاق واسع، يمثل أحد أخطر أشكال انتهاك العدالة الأساسية. فهو يسمح باحتجاز الإنسان لأشهر وسنوات دون توجيه تهمة، ودون تمكينه من الدفاع عن نفسه، استناداً إلى ملفات سرية لا يُسمح له أو لمحاميه بالاطلاع عليها. في أي نظام قانوني يحترم ذاته، يُعتبر هذا الإجراء استثناءً ضيقاً، أما في الحالة الفلسطينية، فقد تحول إلى قاعدة.

وفي موازاة ذلك، تتصاعد سياسات اعتقال الأطفال، حيث يمكن أن تبدأ المسؤولية الجنائية من سن 12 عاماً، في تناقض صارخ مع روح اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص بوضوح على أن احتجاز الأطفال يجب أن يكون الملاذ الأخير، ولأقصر فترة ممكنة. ومع ذلك، يُعتقل الأطفال الفلسطينيون، ويُخضعون للتحقيق، ويُحتجزون في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية القانونية والإنسانية.

كما يُستخدم الحبس المنزلي، خصوصاً في القدس، كأداة إضافية للسيطرة والعقاب، بحيث يتحول البيت إلى سجن، والأسرة إلى جزء من منظومة الرقابة، في انتهاك واضح للحق في الحياة الطبيعية والنمو السليم.

لكن ما يجري داخل السجون يتجاوز ذلك بكثير. فقد وثقت تقارير متعددة تدهوراً حاداً في ظروف الاحتجاز، يشمل تقليص الغذاء، وحرمان الأسرى من الرعاية الطبية، ومنع زيارات الصليب الأحمر والمحامين. كما تم تسجيل وفيات داخل السجون نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي، إلى جانب تقارير مقلقة عن انتهاكات جسيمة تمس الكرامة الإنسانية.

وفي تطور بالغ الخطورة، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يفتح الباب أمام إعدام الأسرى، في خطوة تمثل تحوّلاً نوعياً في طبيعة النظام العقابي، وتطرح تساؤلات جدية حول التزام إسرائيل بالقانون الدولي. فإقرار عقوبة الإعدام في سياق احتلال عسكري، وضمن منظومة قضائية تفتقر إلى الضمانات الكافية، لا يمكن اعتباره إجراءً قانونياً عادياً، بل يمثل تهديداً مباشراً للحق في الحياة.

ولا تنتهي معاناة الأسرى عند حدود الحياة. إذ تستمر سياسة احتجاز جثامين الشهداء والأسرى في ما يعرف بمقابر الأرقام، حيث يُحرم الأهالي من حقهم في دفن أبنائهم بكرامة، في انتهاك يمتد إلى ما بعد الموت.

هذه الوقائع، حين تُجمع معاً، لا تعكس مجرد سلسلة من الانتهاكات، بل تكشف عن بنية متكاملة من السياسات التي تهدف إلى الإخضاع، وكسر الإرادة، وإعادة تعريف الإنسان الفلسطيني داخل منظومة قانونية غير متكافئة.

إن القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، واتفاقية حقوق الطفل، جميعها تضع معايير واضحة لحماية الأشخاص الواقعين تحت الاحتلال. لكنها تظل بلا قيمة إذا لم تُفعّل، وإذا لم تتحول من نصوص إلى أدوات مساءلة حقيقية.

في هذا السياق، لم يعد كافياً أن يعبّر المجتمع الدولي عن القلق. المطلوب اليوم هو مواقف واضحة، وإجراءات ملموسة: رفض تشريع إعدام الأسرى، الضغط لإنهاء الاعتقال الإداري، ضمان وصول الهيئات الدولية إلى المعتقلين، حماية الأطفال، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

إن الصمت في مثل هذه الحالات لا يمكن اعتباره حياداً، بل هو شكل من أشكال القبول الضمني. والتردد لا يمكن أن يكون بديلاً عن الموقف.

إن قضية الأسرى الفلسطينيين ليست قضية فلسطينية فقط. إنها قضية تتعلق بجوهر النظام الدولي، وبمدى قدرته على حماية القيم التي يدّعي الدفاع عنها.

فإما أن يبقى القانون الدولي مرجعية حقيقية تُطبّق على الجميع،

أو يتحول إلى نص جميل يُستحضر في الخطابات، ويُغيّب في الواقع.

في النهاية، لا نطلب استثناءً،

بل نطالب بما يجب أن يكون بديهياً:

الحرية، والكرامة، والعدالة.

المزيد من الأخبار

مقالات

التضليل الإعلامي… حين تُصاغ الأكاذيب بلباس الحقيقة

بقلم: العميد لؤي أحمد إرزيقات الناطق الإعلامي باسم الشرطة الفلسطينية في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار كما تتسارع الأنفاس، لم يعد
مقالات

الأمن الإعلامي بين قداسة الحقيقة وضجيج السَّبق: معركة الوعي الوطني الفلسطيني

بقلم: العميد لؤي أحمد إرزيقات الناطق باسم الشرطة الفلسطينية في فلسطين، لا يُعدّ الأمن مفهوماً تقنياً محايداً، ولا الإعلام مجرد